|
المقالات: وباء السمنة - الأمر الأكثر تعقيداً من" قلة الرياضة وكثرة الأكل"
|
ماهو سبب الفشل الذريع للحميات الغذائية والبرامج الطبية المختلفة التي يدّعي مروجوها على قدرتها على تنزيل الوزن سواءً كانت تعتمد على وجبات الحمية الخاصة الجاهزة أو أدوية إنقاص الشهية أو آخر صرعات الريجيم، كالريجيم المعتمد على الزمرة الدموية أو الريجيم الكيميائي أو العلاجات الجراحية للبدانة بدون الالتفات لعلاج النواحي الأخرى التي تقف وراء البدانة والتي سنركز عليها في هذا المقال المبسّط والمختصر.
يبدأ علاج البدانة بالمعرفة الصحيحة للآلية المتشابكة التي وضعها الخالق سبحانه وتعالى في جسم الإنسان للتعامل مع بيئته وغذائه والتخلص من السموم المتزايدة وتأثير التوتر والمناعة الذاتية والوراثة والكتلة العضلية والهرمونات والجملة العصبية الدماغية المرتبطة بالأمعاء على الشهية والاستقلاب أو سرعة حرق الحريرات، ومعرفة التأثير السيئ للريجيمات الخاطئة.
هذه المعرفة لاتأتي عن طريق التلفزيون ولكنها تأتي عن طريق القراءة المتمعنة والتي تتطلب بعض التركيز.
الأمر الجديد في علاج البدانة هو فهم الدور الكبير الذي يلعبه التوتر في التأثير على الهرمونات والعضلات والسكر والنوم.
إن جسم الإنسان مجهّز للتعامل مع الخطر المفاجئ والمؤقت كالذي يحدث عندما توشك على الوقوع بحادث سيارة أو عندما كان يصطدم أجدادنا منذ آلاف السنين يالعدو المتربص وراء تلة أو حيوان مفترس فيهرب أو يقاتله حتى الموت.
ولكن جسم الإنسان غير مجهزللتوتر المستمر والمزمن الناجم عن ضغط العمل وازدحام السير والموبايل المستمر وتلوث البيئة وتلوث الطعام وتناول الوجبات البلاستيكية السريعة والمليئة بالشحوم المشبعة والسكاكر الاصطناعية، والمشاحنات اليومية في البيت والعمل وكذلك الضغوط المادية الخانقة.
كلا الأمرين: الخطر المحدق والمفاجئ والتوتر المزمن يؤديان لإفراز مادة الكورتيزون من غدة الكظر (Adrenal) الموجودة فوق الكلية.
الإفراز المؤقت لهورمون الكورتيزول مفيد للتعامل مع الخطر المحدق ولايؤدي للبدانة إلا إذا أصبح إفرازه مستمراً كما يحدث في التوتر المستمر في أيامنا هذه.
يؤدي هورمون الكورتيزول إلى زيادة سكر الدم وضمور الكتلة العضلية في الجسم وهي المسؤولة عن سرعة حرق الحريرات الغذائية ... إن الريجيمات الخاطئة تؤدي الى نقص الكتلة العضلية مع الزمن وبالتالي لزيادة الوزن بعد انتهاء الريجيم ثم العودة للريجيمات وما يتلوها من نقص آخر في العضلات (yoyo diet).
كما يؤدي الإفراز المزمن للكورتيزول الى ضمور العضلات وزيادة الشحوم والأسوء من ذلك هو أن الكورتيزول يثبط عمل هورمون الغدة الدرقية ممايزيد الحالة سوءاً حيث أن هورمون الغدة الدرقية مسؤول عن 40% من سرعة الاستقلاب والباقي تحدده الكتلة العضلية والوراثة والعادات الغذائية.
يقوم جسم الإنسان بتركيب هورمون التوتر أو الكورتيزول من مادة الكولسترول. كما يقوم الجسم بتركيب الهورمونات الجنسية الأنثوية (بروجسترون) والذكرية (التستسترون) أيضاً من مادة الكولسترول.
إن التوتر المزمن يؤدي لاستهلاك كبير لغدة الكظر لمادة الكولسترول لتوليد الكورتيزول، مما يجعل الكولسترول غير متوفر لتوليد الهورمونات الجنسية وهذا يؤدي لدى السيدات هبوط مادة البرجسترون ومايتبعها من أرق وتوتر وخوف وآلام ونزف شديد مترافق مع الدورة الشهرية وشراهة للحلويات والشوكلاته ومايتلو قلة النوم وكثرة تناول الحلويات من بدانة.
كما يؤدي فرط توليد الكورتيزول على حساب الكولسترول الى تثبيط إفراز هورمون الذكورة (التستسترون) عند الرجال الى تراكم الشحوم حول البطن ( كرش) وضمور في العضلات وهبوط القدرة الجنسية وارتفاع نسبة أمراض القلب وترقق العظام وفقدان الذاكرة والاكتئاب والذي يتجلى عند الرجال بثورات الغضب لدى أتفه الأسباب، وآلام الظهر والعضلات المزمن.
ينقسم التوتر المزمن الى نوعين :
1- توتر مزمن داخلي : سببه تلوث البيئة بالسجائر والرصاص والزئبق وتلوث المأكولات بالمبيدات الحشرية وخلوها من الكثير من المكونات الغذائية كالمغنيزيوم والسيلينيوم وهي مواد أساسية لعمل الغدة الدرقية ولعمل الأنسولين لضبط سكر الدم وسبب ذلك هو تأثر التربة الزراعية بتلك المبيدات الحشرية. كما يتلوث الحليب ومشتقاته كاللبن والجبن من هورمونات الأستروجين .. جميع هذه السموم تضع عبئاً ثقيلاً على الجسم والكبد وتزيد من التوتر الداخلي والالتهابات.
كما يؤدي الإفراط في نوع معيّن من المأكولات كالخبز في بلاد الشام والرز في الخليج والعصائر وفرط استعمال المضادات الحيوية (Antibiotic) الى زيادة التخمرات والالتهابات في الأمعاء وتلاشي الجراثيم الصديقة الموجودة فيها والمسؤولة عن تركيب الكثير من الفيتامينات الأساسية وتؤدي الالتهابات الى عبور السموم من الأمعاء الى الدوران وتوليد مضادات مناعة ذاتية قد تدمر أو تضعف الغدة الدرقية وتبطئ الاستفلاب.
إن صحة الأمعاء أساسية في تفادي البدانة حيث أن 95% من مادة السرتونين موجودة في جدار الأمعاء وكذلك 70% من جهاز المناعة الذاتية وهو المسؤول عن مكافحة الجراثيم والسرطانات وهنالك ارتباط مباشر بين الدماغ والأمعاء (القولون العصبي خير مثال).
2- توتر خارجي مزمن : سببه الرئيسي هو ازدياد عدد الساعات التي نقضيها أمام شاشة التلفزيون، مايقارب الخمس ساعات يومياً. إن الإدمان المتزايد على التلفزيون يزيد من تعرضنا للدعايات التي تحثنا على الاعتماد على الوجبات السريعة بدلاً من اتقان فن الطبخ الصحي والمعتمد على مطبخ البحر المتوسط أو الطبخ التايلاندي الذي تكثر فيه الخضار المسلوقة والمحتوية على الكثير من البهارات بدلاً من الشحوم لإعطاء الطعام المذاق اللذيذ.
كما أن مشاهدة التلفزيون كثيراً ماتؤدي للسهر الطويل على حساب النوم، وقلة النوم تجعل الجسم متعطش للسكريات للتعويض عن التعب الناجم عن الإرهاق بالإضافة للإسراف من تناول مشروبات الطاقة والقهوة والشاي والكولا وجميعها تؤدي للمزيد من التوتر والأرق وزيادة الوزن.
كما يؤدي مشاهدة التلفزيون وألعاب الكمبيوتر الى بدانة الأطفال وضمور الهوايات الأخرى كالقراءة والرياضة، والإسراف في الوجبات الثقيلة في ساعات متأخرة من الليل ومايتلو ذلك من عدم الاهتمام بوجبة الفطور الأساسية لتسريع الاستقلاب.
هنالك بالإضافة لموضوع التوتر جهل كبير بالمعرفة الغذائية كالمشعر السكري (أهمية الابتعاد عن السكريات والمعجنات والعصائر حتى الطازجة منها) وأهمية تناول الطعام ذو الحجم الكبير والحريرات القليلة كالخضار النيئة والمطبوخة بدلاً من تناول الطعام ذو الحجم الصغير والحريرات الغنية كالشحوم والحلويات (Volumetrics)
كما نحتاج لزيادة الوعي الرياضي إذ كثيراً مانركز في الرياضة (وخاصة السيدات) على عضلات الطرف السفلي (جري دراجة) وإهمال عضلات القسم العلوي والتي تتطلب تمارين الأثقال وذلك لخوف السيدات من بروز عضلات تشبه الرجال، وهذا أمر لايحدث عند السيدات بسبب عدم توفر كمية كافية لديهن من هورمون الذكورة.
البرنامج العلاجي إذاً يجب ألا يعتمد على أخصائية تغذية تروج لهذا الريجيم أو ذاك وإنما يجب أن يعتمد على فريق طبي يهتم برفع مستوى المعرفة عند المريض وجمع المعلومات الدقيقة والشاملة عن حالته الصحية والنفسية وعاداته الغذائية ومقدار التوتر الداخلي والخارجي في جسمه وعيار مستوى الهورمونات لديه باستعمال أحدث الطرق كفحص اللعاب لعيار هورمون الكورتيزول وفحص المورثات ( ) في بعض الحالات لكشف العيوب في خمائر الكبد أو الأمعاء أو فحص العيوب الخلقية للاستعداد الوراثي للسكري و أمراض القلب و سرطان الثدي و البروستات و القولون.
يقوم الطبيب المشرف على العلاج بالاعتماد على أجوبة المريض وفحصه السريري ومراجعة هذه الفحوصات المخبرية لفك طلاسم وأسرار هذه السيمفونية المتشابكة من العوامل الهورمونية والمورثات وجهاز المناعة الذاتية والكتلة العضلية والمكونات الغذائية والجهاز الهضمي ثم يقدم خطة علاجية تستند الى حقائق علمية حديثة. كثيراً ما نعتمد في هذا العلاج على المكملات الغذائية والفيتامينات ذات العيارات المناسبة لحالة المريض لخفض الكولسترول وارتفاع الضغط وعدم استجابة الأنسجة للأنسولين وعلاج التوتر النفسي وقلة النوم وضمور العضلات وتنشيط الغدة الدرقية والغدد الجنسية واللجوء الى الأدوية كحل أخير إذا لم تنجح الطرق الطبيعية والرياضة وتغيير العادات في السير بالمريض الى شاطئ الأمان.
|
|