|
عقدة الخواجة يدفع ضريبتها المرضى
بالرغم من تقدم الخدمات الطبية في الدولة قياساً بغيرها من الدول إلا أن هناك مشكلة أساسية ما زالت قائمة ، و يبدو أن التخلص منها ليس بالأمر المستحيل طبعاً و لكنها تعتبر مشكلة شائكة ، و التي تتجلى فيما يمكن أن نطلق عليها "عقدة الخواجة"، و التي يساهم في إرساء جذورها بعمق كلاً من القطاعين الخاص و العام ، فالقطاع العام بسبب الضغوط المتزايدة عليه ، و ضيق الوقت لدى العاملين به ، و عدم توفر الكوادر الطبية بأعداد كافية ، يعاني من ضعف ثقة المرضى به، و لدى بعض المرضى تبدو الثقة معدومة ، و بسبب عوامل عدة أهمها أن المرضى يمضون وقتاً طويلاً في الانتظار و يسمعون الكثير من القصص و الشكاوي من قبل بعضهم الآخر، و يركزون على السلبيات ، خصوصاً أن الطبيب في القطاع العام يعاني من شدة ضغوط العمل ، و هو بذلك لا يستطيع أن يمنح المريض الوقت الكافي، و من هنا يمكن القول إن المريض لا يشعر بالاطمئنان ، و يتجلى هذا الأمر بشكل واضح لدى عدم تحسن المريض ، و يعود ذلك للحلقة الفارغة بين الطبيب و المريض التي من جرائها قد لا يتم تشخيص الحالة المريض بدقة ، أو لأسباب أخرى.
و استناداً لما سبق تبدو الأخطاء الطبية في القطاع العام واضحة كعين الشمس ، بحيث لا يمكن إخفائها ، و لهذا فإن العديد من المرضى يلهثون وراء القطاع الخاص داخل الدولة ، و البعض الآخر يجد في السفر لخارج الدولة الحل الأمثل للتخلص من مشكلاته الصحية ، دون أن يدري أن علاج أي مشكلة طبية يقوم بشكل أساسي على التشخيص الدقيق ، الذي يعتمد علىالقصة المرضية المفصلة و مدى العلاقة الكائنة بين الطبيب و المريض.
و تجدرالإشارة هنا إلى أن السلوكيات الخاطئة لبعض الأطباء ، وعدم الـتزامهم بقوانين مهنة الطب الإنسانية و الأخلاقية ، تعتبر من العوامل التي تعزز عقدة بالخواجة ، و هي عبارة عن مركب نقص ، أو شعور بتفضيل الأجنبي على كل شيء ، و من يعاني من هذه المشكلة يتجاهل أن تفوق هذا الطبيب أو ذاك لا يقوم على مبدأ الجنسية أو حتى الدين ، و إن الطبيب الناجح هو الذي يتمتع بالمواصفات التالية:
- التحصيل الدراسي من جامعات مرموقة
- متابعة كافة المستجدات في العلوم الطبية
- حضور المؤتمرات و الندوات و المشاركة بها
- التواضع و الابتعاد عن الغرور
- التحلي بالأخلاق الحميدة
- الالتزام بقواعد المهنة الإنسانية
- الاقتراب من المرضى و تخفيف آلامهم و رسم الابتسامة على شفاهم
- الخبرة الجيدة في مجال عمله
- منح المرضى الوقت الكافي، فالمريض إنسان يحتاج إلى من يتفهم شكواه، و من يحترم كيانه
ما الحل؟
إن عقد الخواجة مشكلة متعددة الجوانب ، و لا يمكن معالجتها بشكل جذري إلا من خلال دراستها بعمق من كافة جوانبها دون إغفال أي جزئية مهما بدت بسيطة. فمعالجة الخلل في القطاع العام يقتضي تامين الكوادر الطبية الكافية ، و تأمين كافة احتياجاتهم المادية ، دون إهمال الحوافز التشجيعية ، كيلا يتم النزيف بانتقال الأطباء من القطاع العام إلى الخاص ، إذ للأسف نقول إن معظم الأطباء الّذين يعملون في القطاع العام ينتظرون اللحظة المناسبة لانتقالهم إلى القطاع الخاص، و لعل من السياسات التي ثبت نجاحها في أمريكا هو إعطاء حافز مادي للأطباء لكي يعملوا بجد أكبر " إعطاء %15 مثلاً للطبيب عن كل عملية يقوم بها فوق معدله للعام السابق" و هذا يؤدي لتقليص قائمة الانتظار الطويلة و يحقق للطبيب دخلاً إضافيا مقابل جهده المضاعف.
إضافة إلى ما سبق فان الطبيب في القطاع العام ينبغي أن يخضع للدورات التدريبية الدورية ، مع تشجيعه على حضور الندوات و المؤتمرات و المشاركة بالأبحاث ، لمتابعة آخر التطورات في العلوم التشخيصية منها و العلاجية.
أما في القطاع الخاص فيجب أن نطبق ما بدأت البلاد الغربية بالعمل به و هو أن نعيد ترخيص الأطباء كل عشرسنوات و ذلك بإخضاعهم لفحص إعادة الترخيص بحيث لا يسهى الطبيب عن متابعة آخر التطورات في مجال اختصاصه." البورد الأمريكي الآن يحمل تاريخ انتهاء بعد عشرة سنوات من صدوره". كما أن تجديد الترخيص كل عامين يتطلب بالإضافة للرسوم المادية تقديم ما يثبت حضور عدد معين من المؤتمرات الدولية و المحلية لمتابعة التعليم CME أو (CONTINUIED MEDICAL EDUCATION ).
غير ذلك ، لاختلاف العادات و التقاليد السائدة في المجتمع عما لديه.
أما العلاج داخل الدولة فهو يوفر الوقت و المال و الأمان أيضاً ، إذ لدى حدوث أي طارئ ، أو لدى معاناة المريض من أي شكوى ، يمكنه أن يزور الطبيب خلال وقت قصير
و أخيراً تجدر الإشارة إلى أن الثورة في عالم الاتصالات و تقنية المعلومات قد حولت العالم الطبي إلى مستشفى صغير، فلماذا لا نعيد النظر في العلاج داخل الدولة بدلاً من الخارج ، خصوصاً أن المريض يحتاج إلى ابتسامة من ذويه و التي تمنحه الأمل بالحياة ، و التخلص من المعاناة و المعركة مع المرضى التي لا يستطيع أن يخوضها لوحده ، "عقدة الخواجة" التي ندفع ضريبتها دون أن ندري بذلك
|