|
زراعة الخلايا الصباغية الذاتية . تطور علمي في مجال علاج البهاق
مقدمة :
يعتبر البهاق من الأمراض الجلدية السليمة المزمنة وغير المعدية ، ويظهر على شكل بقع بيضاء اللون بأحجام مختلفة ، سببه الحقيقي غير معروف ولكن كل الدلائل العلمية تدل على أنه من الأمراض المناعية الذاتية.
يعود اللون الأبيض التي تتميز به بقع البهاق إلى غياب الخلايا الصباغية melanocyte وهي الخلايا المسؤولة عن إنتاج صبغة الميلانين ( التي تعطي لون الجلد والشعر ) ونتيجة لغياب هذه الخلايا يفتقد الجلد إلى المورد الأساسي للصبغة مما يؤدي إلى تحوله إلى اللون الأبيض .
ولقد تعددت أساليب العلاج لهذا المرض وهو على الرغم من سلامته كون المريض لا يشكو من أية أعراض كالحكة أو الألم إلا أن تداعيات المرض النفسية وانعكاساته الاجتماعية وكونه مشكلة جمالية هو أكثر ما يضايق المريض وينغص عليه حياته .
ومن المعلوم أن البهاق قد يأخذ أشكالاً سريرية مختلفة ، فقد يصيب بقعة واحدة أو عدة بقع في الجسم ( البهاق البقعي ) وقد تكون الإصابة على اليدين والقدمين والأصابع ( البهاق الطرفي ) ، وهناك البهاق القطعي Segmental وفيه تكون البقع البيضاء محصورة في منطقة واحدة من الجسم وعلى مسير عصب معين وهناك البهاق المنتشر الذي يصيب مساحات كبيرة من الجسم .
ومن معرفتنا أن اللون الأبيض للجلد يعود لفقدان الصبغة نتيجة غياب الخلايا الصباغية ( كما ذكرنا ) نجد أن غالبية العلاجات تركز على هدف واحد وهو محاولة إعادة الخلية الصباغية لمكان الإصابة وتنشيطها لتعاود عملها من جديد لإنتاج الصبغة .
وتعتبر الجراحة إحدى العلاجات الجيدة والفعالة للمرض ولها عدة أنواع مثل التطعيم بطريقة الخزعة Punch graft والجراحة بطريقة الفقاعة Blister graft والأهم والأكثر تطوراً هو الجراحة بطريقة زرع الخلايا الصباغية الذاتية ( Non – Culture Melanocyte Transplantation ) .
وقبل أن نتطرق بشيء من التفصيل لهذه الطريقة لا بد لنا أن نتعرف على الخلية الصباغية والتي هي الأساس في المرض بشكل عام .
ما هي الخلية الصباغية Melanocyte ؟
الخلية الصبغية هي عبارة عن خلية متغصنة Dendritic حيث أنها تمتاز بشكل يشبه الأخطبوط فللخلية جسم واستطالات ( أغصان ) وتتوضع هذه الخلايا في الجلد وتنتشر بين الخلايا القرنية ( الجلدية ) Corneocyte وذلك بمعدل خلية صبغية لكل 10 خلايا جلدية ، ووظيفة هذه الخلايا إنتاج مادة خاصة هي الميلانين Melanin وهي الصبغة المسؤولة عن لون الجلد حيث تقوم الخلية الصبغية بتصنيع هذه الصبغة ومن ثم ومن خلال أغصانها التي تغرسها في أجسام الخلايا الجلدية تقوم بحقن الميلانين فيها وبالتالي إعطاء الجلد لونه الخاص .
إلا أن هذه الخلية في مرض البهاق تزول وتموت بأسباب مناعية وبالتالي تفتقد الخلايا الجلدية للمصدر الرئيسي للصبغة مما يؤدي إلى تبدل لون الجلد وتحوله للأبيض .
زراعة الخلايا الصبغية الذاتية : Non – Culture Melanocyte Transplantation
عادة ماتكون رحلة مريض البهاق طويلة وشاقة وتمتد المعاناة على مدى سنوات وغالباَ ماتترافق مع الإحباط واليأس لكثرة العلاجات وقلة الفائدة ونظراَ لما سبق فإننا نعتبر أن الجراحة هي الخيار الأخير وأن زراعة الخلايا الصبغية الذاتية تعتبر الأحدث والأكثر تطوراً في مجال علاج البهاق وهي تبشر بنتائج جيدة ومرضية بإذن الله .
وتعتمد هذه الطريقة على أخذ الخلايا الصباغية من مناطق الجلد السليم ونقلها إلى المناطق المصابة بالبهاق وبهذا الشكل نكون قد تخلصنا من المشكلة الأساسية وهي أن البقعة البيضاء لا تحوي خلايا صباغية والخلايا المزروعة بدورها تعوض النقص وتباشر في اصطناع الصبغة وتعيد اللون الطبيعي للمناطق المصابة .
أين يتم إجراء هذه العملية ؟
هناك عدد قليل جداً من المراكز في العالم التي تجرى فيها هذه العملية ، وهي طريقة مبشرة وآمنة وتحمل الكثير من الفائدة للمريض وقد جرى تطويرها حديثاً من طريقة سابقة حيث كانت الطريقة الأولى تعتمد على زرع الخلايا الصباغية بعد أخذها من الجلد في منابت وأوساط صنعية خاصة داخل المختبرات وبدون فصلها عن الخلايا الجلدية .
إلا أن هذه الطريقة كان لها الكثير من المساوئ والمحاذير مما حدا بالأطباء إلى اتباع الطريقة الجديدة من خلال زرع الخلايا الصباغية مباشرة في جسم الإنسان دون الحاجة للأوساط الصنعية .
ما هي المدة التي يستغرقها إجراء هذه العملية وهل تحتاج لفترة راحة بعد إجرائها ؟
بشكل عام تعتمد هذه العملية على المساحة المصابة من الجسم ولكن عادة وعند اختيار المريض والحالة المناسبة فإن العملية تستغرق حوالي 2-3 ساعات حيث يتم في البداية أخذ الخلايا من المكان السليم ثم وضعها في حاضنة خاصة لفترة تقل عن الساعة وخلال هذه المدة يتم تجريف المنطقة المصابة بالبهاق وتهيئتها للزراعة وذلك باستخدام وسائل جراحية خاصة ( تشبه هذه العملية عملية حرث الأرض قبل زراعة البذور فيها ) ومن ثم يتم وضع الخلايا الصباغية بعد تحضيرها بشكل جيد على المناطق المصابة ويتم تغطية المكان بالشكل المناسب .
ومن محاسن هذه الطريقة أن المريض يغادر العيادة مباشرة ويستطيع مزاولة عمله دون الحاجة إلى الراحة خلال يوم واحد .
ما هي شروط إجراء هذه العملية ؟
من الأهمية بمكان معرفة الاستطباب المناسب لإجراء هذه الجراحة وذلك للحصول على أفضل النتائج .
وهذه الشروط تتعلق بالمريض بحد ذاته ومدى انتشار البهاق وفعاليته والمساحة المصابة من الجسم ويمكن أن نلخص هذه الشروط بما يلي :
- يجب أن يكون البهاق غير فعال أي أنه لم تظهر عند المريض أية بقعة بيضاء لمدة لا تقل عن السنة ( البهاق الثابت ) .
- أن يكون المكان المصاب من الجلد صغير المساحة نسبياً وبالتالي فإن البهاق المنتشر على مساحة كبيرة من الجسم لا يمكن إجراء الجراحة له .
- أن يكون المكان المصاب قابل للاستجابة للعلاج لأن بعض أنواع البهاق مثل البهاق الطرفي الذي يصيب الأصابع والأماكن التي لا تحتوي على أشعار من النادر أن يستجيب للعلاج .
- أن يكون البهاق مستعصياً على العلاجات التقليديةالأخرى أي أن المريض استخدم الكثير من العلاجات ولكن دون جدوى وبالتالي تكون الجراحة هي الخيار الأخير .
- عدم وجود أمراض أومشاكل صحية ودوائية ( دواء الايزوتريتينوئين, مميعات الدم , ...الخ ) تتعارض مع إجراء الجراحة .
- عدم وجود قصة لتشكل ندبات أوجدرات لدى المريض .
- عدم وجود الحمل عند المرضى الإناث .
- أن يكون عمر المريض فوق 12 سنة .
استطبابات العملية :
- البهاق الثابت ( خاصة البهاق القطعي ، البهاق البقعي المحدود )
- البهاق الذي يصيب مساحات صغيرة نسبياً من الجسم .
- المهق الجزئي .
- الوحمة ناقصة التصبغ .
- استطبابات أخرى .
ما هي الاختلاطات التي قد تنجم عن هذه العملية ؟
تعتبر هذه العملية من العمليات السليمة والآمنة وهي لا تحتاج لفترة طويلة من الزمن كما أنها لا تحتاج لفترة راحة معينة بعد إجراءها ، وغالباً ما تتم تحت التخدير الموضعي دون الحاجة للتخدير العام .
ومضاعفاتها نادرة جداً وهي لا تتعدى حدوث بعض الالتهابات البسيطة ونقص أو زيادة التصبغ في المناطق المعالجة والمعطية عند بعض المرضى .
ما هي نسبة نجاح العملية وما هي النتائج المتوقعة منها ؟
إن الفائدة من هذه المعالجة هي أمر نسبي ويختلف من حالة لأخرى ولكن بشكل عام تعتبر نتائج هذه العملية جيدة جداً حيث قد تصل نسبة الفائدة حتى 50- 80 % وقد تصل الى90% خاصة في حالات البهاق القطعي Segmental وتعتبر نتائجها مرضية خاصة عند توفر الشروط المناسبة لإجرائها ( بهاق ثابت غير فعال ولا يستجيب للعلاجات الأخرى ومحدود المساحة ) وتعتبر الإصابة في الأماكن المشعرة أكثر استجابة للعلاج من تلك التي تصيب الأماكن الخالية من الأشعار مثل رؤوس الأصابع والشفاه حيث لا تتعدى نسبة الفائدة فيها عن 20 ـ 40% .
وفي خلاصة القول :
تعتبر زراعة الخلايا الصباغية الذاتية من أحدث ما توصل إليه العلم في معالجة البهاق وهي الطريقة الجراحية الأكثر فائدة للمريض ونتائجها مبشرة وواعدة ومن الأهمية بمكان التذكير أن النتيجة لن تكون سريعة , وتبدأ بالظهوربعد 8-12 أسبوع وللحصول على النتيجة النهائية فإن ذلك يتطلب مدة قد تصل إلى 9-12 شهراَ .
|